إنفستجيت تطلق مائدتها المستديرة الثامنة والعشرين لمناقشة الطاقة والقطاع العقاري وإعادة تعريف قيمة الأصول
إنفستجيت تطلق مائدتها المستديرة الثامنة والعشرين لمناقشة الطاقة والقطاع العقاري وإعادة تعريف قيمة الأصول
كتبت – عبير أحمد
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، وما يفرضه ذلك من إعادة صياغة لأولويات القطاعات الإنتاجية والخدمية، برزت العلاقة بين قطاع الطاقة والقطاع العقاري باعتبارها واحدة من أكثر العلاقات الاقتصادية تعقيدًا وتأثيرًا في مسارات التنمية المستدامة. ولم يعد التعامل مع الطاقة في القطاع العقاري يقتصر على كونه بندًا تشغيليًا أو عنصرًا لتقليل التكلفة، بل تحول إلى محور استراتيجي يعاد من خلاله تعريف قيمة الأصول العقارية ذاتها، وقدرتها على المنافسة، وجاذبيتها الاستثمارية، واستدامتها على المدى الطويل. هذا التحول كان محور النقاش الرئيسي الذي طرحته «إنفستجيت» خلال مائدتها المستديرة الثامنة والعشرين، والتي جاءت تحت عنوان «الطاقة والقطاع العقاري.. معادلة القيمة الجديدة»، في محاولة لقراءة مستقبل القطاع العقاري من زاوية أكثر ارتباطًا بكفاءة التشغيل وإدارة الموارد.
انعقد اللقاء في أحد فنادق القاهرة الكبرى بمشاركة واسعة ضمت ممثلين عن جهات حكومية، ومطورين عقاريين، ومشغلين، إلى جانب شركات متخصصة في الطاقة والطاقة المتجددة، وخبراء التكنولوجيا، ومؤسسات تمويل دولية، في مشهد يعكس حجم التشابك بين القطاعات المختلفة في ملف الطاقة داخل المجال العمراني. وقد اتسمت المناقشات بطابع عملي ركز على كيفية تحويل مفاهيم الاستدامة من إطار نظري إلى أدوات تطبيقية قابلة للقياس داخل المشروعات العقارية، بما ينعكس مباشرة على تكلفة التشغيل وقيمة الأصل العقاري في السوق.
طرحت الجلسة مجموعة من القضايا الجوهرية التي باتت تشكل تحديًا مباشرًا أمام المطورين والمشغلين، وعلى رأسها التوازن بين تكلفة الطاقة وكفاءتها، سواء على مستوى الإنفاق الرأسمالي أو التشغيلي، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا وتزايد الضغوط الاقتصادية. كما تمت مناقشة أهمية استقرار منظومة الإمداد بالطاقة باعتبارها عنصرًا حاسمًا في ضمان استمرارية تشغيل المشروعات العقارية دون تعطيل، إلى جانب البحث في نماذج حديثة لإدارة الطاقة، مثل نموذج «الطاقة كخدمة»، الذي يتيح للمطورين تقليل الأعباء الاستثمارية وتحويل جزء من التكلفة إلى خدمات تشغيلية مرنة.
وشهدت المناقشات اهتمامًا متزايدًا بالدور الذي تلعبه التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي في تحسين كفاءة إدارة الطاقة داخل المباني، من خلال تحليل البيانات التشغيلية، والتنبؤ بالاحتياجات، وتقليل الهدر، بما يؤدي إلى رفع كفاءة الاستخدام وتحسين الأداء العام للأصول العقارية. هذا البعد التكنولوجي لم يعد ترفًا، بل أصبح جزءًا أساسيًا من منظومة إدارة العقار الحديث، خاصة في ظل التوسع في المدن الذكية والمشروعات العمرانية المستدامة.
وتناول المشاركون بعمق التأثير المباشر لكفاءة الطاقة على تقييم الأصول العقارية، حيث لم يعد التقييم يعتمد فقط على الموقع أو التصميم أو جودة التنفيذ، بل امتد ليشمل درجة كفاءة المبنى في استهلاك الطاقة، ومدى التزامه بمعايير الاستدامة البيئية. وقد برز في هذا السياق مفهوم «العلاوة الخضراء» الذي يعكس ارتفاع قيمة الأصول ذات الكفاءة العالية، مقابل ما يعرف بـ«الخصم البني» الذي يطول الأصول الأقل التزامًا بالمعايير البيئية، وهو ما يعيد تشكيل آليات التسعير والاستثمار في السوق العقاري.
كما أظهرت المناقشات أن معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية أصبحت عنصرًا مؤثرًا في قرارات التمويل والاستثمار، حيث ترتبط بشكل مباشر بإمكانية الحصول على تمويل بشروط تفضيلية، خاصة للمشروعات التي تلتزم بمعايير البناء الأخضر وتخفض من بصمتها الكربونية. ويمتد هذا الأثر ليشمل قدرة المشروعات على جذب مستثمرين جدد، وتحقيق استدامة مالية على المدى الطويل، في ظل توجه عالمي متزايد نحو التمويل الأخضر.
وفي سياق متصل، تمت الإشارة إلى أن مستقبل القطاع العقاري يتجه نحو دمج أعمق بين الطاقة والتصميم المعماري والتشغيل، بحيث تصبح كفاءة الطاقة جزءًا من عملية التخطيط منذ المراحل الأولى للمشروع، وليس عنصرًا يتم التعامل معه لاحقًا. هذا التحول يتطلب إعادة النظر في آليات التخطيط العمراني، وتطوير الأطر التشريعية والتنظيمية بما يضمن إلزامية تطبيق معايير الاستدامة، مع مراعاة اختلاف طبيعة المباني بين السكنية والتجارية والإدارية.
كما برز خلال النقاش أن المباني القائمة تمثل تحديًا خاصًا في ملف كفاءة الطاقة، نظرًا لصعوبة تعديل بنيتها الأساسية، الأمر الذي يستدعي حلولًا تدريجية تجمع بين الحوافز الاقتصادية والتشريعات المنظمة، بما يتيح تحسين كفاءة هذه المباني دون تحميل السوق أعباء مفاجئة. في المقابل، تبدو المباني الجديدة أكثر قابلية للتكيف مع هذه المعايير، خاصة إذا تم تضمينها ضمن شروط الطرح والتطوير منذ البداية.
وفي إطار آخر، تمت الإشارة إلى أن سوق العقارات في مصر يمر بمرحلة إعادة تعريف لمفهوم القيمة، حيث لم يعد العميل أو المستثمر ينظر فقط إلى سعر الوحدة العقارية، بل أصبح يأخذ في الاعتبار تكلفة التشغيل المستقبلية، وعلى رأسها استهلاك الطاقة والمياه، وهو ما يدفع المطورين إلى إدخال حلول تصميمية وتقنية أكثر كفاءة منذ مرحلة التخطيط. هذا التحول في سلوك المستهلك يعزز من أهمية الشفافية في عرض البيانات التشغيلية للمشروعات العقارية.
كما تم التأكيد على أن التكامل بين المطور العقاري والمشغل ومزود خدمات الطاقة أصبح ضرورة وليست خيارًا، حيث لم تعد كل جهة تعمل بمعزل عن الأخرى، بل أصبح النجاح مرتبطًا بقدرة هذه الأطراف على بناء منظومة متكاملة تضمن خفض التكلفة ورفع الكفاءة وتحسين جودة التشغيل. ويبرز في هذا السياق الدور المتزايد لشركات إدارة الطاقة التي تقدم حلولًا متخصصة تعتمد على مؤشرات أداء دقيقة وإدارة احترافية للاستهلاك.
ومن الزاوية التمويلية، اتضح أن المؤسسات المالية الدولية باتت تضع كفاءة الطاقة كعنصر أساسي في تقييم المخاطر والعوائد، إلى جانب الجدوى الاقتصادية التقليدية، حيث أصبحت المشروعات الأكثر التزامًا بالمعايير البيئية أكثر قدرة على جذب التمويل بشروط ميسرة، وهو ما يعزز الاتجاه نحو الاستثمار في المشروعات الخضراء.
وفي ضوء هذه التحولات، يتضح أن العلاقة بين الطاقة والقطاع العقاري لم تعد علاقة تشغيلية تقليدية، بل أصبحت علاقة استراتيجية تعيد تشكيل مستقبل التنمية العمرانية نفسها. فالعقار لم يعد مجرد أصل إنشائي، بل أصبح كيانًا اقتصاديًا متكاملًا تتحدد قيمته بقدرته على التكيف مع متغيرات الطاقة والبيئة والتكنولوجيا.
وتعكس المناقشات التي شهدتها المائدة المستديرة أن المرحلة المقبلة ستشهد انتقالًا تدريجيًا نحو نموذج عقاري جديد، يقوم على الدمج بين الكفاءة التشغيلية والاستدامة البيئية والجدوى الاستثمارية، بما يضمن تحقيق توازن أكثر استقرارًا بين متطلبات التنمية وضغوط السوق. وفي هذا الإطار، تبدو مصر أمام فرصة لتعزيز موقعها الإقليمي في مجال التطوير العقاري المستدام، إذا ما تم توظيف هذه التحولات في بناء منظومة أكثر كفاءة ومرونة وقدرة على المنافسة.













