منوعات

د. أشرف السيد حنفى يكتب: لغة الضاد.. هل أصبحت غريبة في وطنها؟

د. أشرف السيد حنفى يكتب: لغة الضاد.. هل أصبحت غريبة في وطنها؟
في جولة سريعة داخل أي شارع مصري، قد يظن المرء للوهلة الأولى أنه يتجول في إحدى العواصم الأوروبية. أسماء المحال التجارية مكتوبة بحروف أجنبية، والمطاعم تتباهى بقوائم طعام لا تكاد تحتوي على كلمة عربية واحدة، وحتى محطات الوقود، بما فيها التابعة لشركات وطنية عريقة، أصبحت تتزين بأسماء وشعارات أجنبية. هنا يتبادر إلى الذهن سؤال مؤلم: أين ذهبت لغة الضاد؟
لقد أصبح الاسم الأجنبي في نظر كثيرين مرادفًا للجودة والرقي والحداثة، حتى بات بعض أصحاب المشروعات يعتقدون أن نجاح تجارتهم مرهون بابتعادهم عن اللغة العربية. فلو طُرح منتج محلي باسم عربي وآخر بالاسم ذاته ولكن بصياغة أجنبية، لربما اتجهت أنظار المستهلكين نحو الثاني دون تردد، وكأن اللغة وحدها أصبحت معيارًا للقيمة.
ولعل أكثر ما يدعو إلى الدهشة هو أننا قد نصل يومًا إلى إعادة تسمية بعض خضرواتنا الشعبية، مثل السريس والجعضيض، بأسماء أجنبية براقة، لتتحول فجأة من نباتات ريفية بسيطة إلى منتجات فاخرة تتصدر قوائم المطاعم الراقية. عندها سيزداد الطلب، ويرتفع السعر، ليس بسبب اختلاف الجودة، ولكن لأن الاسم الجديد يمنحها هالة من التميز المصطنع.
المفارقة الأكثر غرابة أن مادة اللغة العربية نفسها أصبحت في بعض المدارس تُدرج في ملفات التقييم والنتائج تحت مسمى “Arabic Language”، وكأن لغتنا العريقة تحتاج إلى تعريف أجنبي داخل وطنها. إنها صورة تعكس حجم التحدي الذي تواجهه هويتنا الثقافية في عصر الانفتاح الرقمي والثقافي.
والحق أن الدولة المصرية لم تغفل هذه القضية، فقد صدر القانون رقم 34 لسنة 1976، الذي يُلزم المحال التجارية بكتابة أسمائها باللغة العربية، ويشترط في حال إضافة لغة أجنبية ألا يكون حجمها أكبر من النص العربي. غير أن تطبيق هذا القانون على أرض الواقع لا يزال بحاجة إلى متابعة أكثر صرامة، حتى لا يتحول إلى مجرد نصوص حبيسة الأدراج.
إن الانفتاح على العالم وتعلم اللغات الأجنبية أمر ضروري لا خلاف عليه، بل إنه أحد مفاتيح التقدم والتواصل الحضاري. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الانفتاح إلى استلاب ثقافي، وعندما تصبح اللغة الأم غريبة بين أهلها.
فاللغة العربية ليست مجرد حروف وكلمات، بل هي ذاكرة أمة، وتاريخ حضارة، ووعاء فكر، ولسان هوية. ومن المؤسف أن بعض الأجيال الجديدة باتت تتحدث العربية ممزوجة بمفردات أجنبية، في ظاهرة تعكس تراجع الاعتزاز باللغة الوطنية.
إن الحفاظ على العربية مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة، وتمر بالمدرسة، وتتجسد في الإعلام والمؤسسات الرسمية. كما أن على أصحاب الأعمال أن يدركوا أن الاسم العربي ليس عائقًا أمام النجاح، بل قد يكون عنوانًا للأصالة والتميز.
في النهاية، تظل لغة الضاد واحدة من أعظم لغات العالم، لغة القرآن الكريم، ولغة الأدب والفكر والعلم لقرون طويلة. والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا اليوم: هل نريد للعربية أن تبقى حية نابضة في شوارعنا ومؤسساتنا، أم نتركها تتراجع أمام سيل من الأسماء التي لا تعبر عنا؟
إن اللغة التي صنعت حضارة، تستحق منا أن نصونها، لا أن نبحث لها عن مكان بين لغات الآخرين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى