الدكتورة أميرة محمود خبيرة الحوكمة: استدامة الشركات مرهونة ببناء أنظمة مؤسسية تنقل الخبرات وتضمن استمرار النجاح
الدكتورة أميرة محمود خبيرة الحوكمة: استدامة الشركات مرهونة ببناء أنظمة مؤسسية تنقل الخبرات وتضمن استمرار النجاح
كتبت – عبير أحمد
أكدت الدكتورة أميرة محمود، خبيرة حوكمة الشركات، أن قدرة المؤسسات على مواصلة النجاح لا تتوقف على كفاءة قياداتها الحالية، وإنما ترتبط بمدى قدرتها على تحويل خبرات الأفراد إلى منظومة عمل متكاملة تضمن استمرارية الأداء حتى بعد رحيل أصحاب الخبرات.
وأوضحت أن شركات عديدة بنت نجاحها على رؤية المؤسس أو خبرة المدير التنفيذي أو كفاءة مجموعة من القيادات، لكن الاختبار الحقيقي يظهر عند غياب هؤلاء، ومدى قدرة المؤسسة على الحفاظ على جودة القرارات واستقرار علاقاتها مع العملاء والموردين ومواصلة أعمالها دون اضطراب.
وشددت على أن هذه المسألة تتجاوز إدارة الموارد البشرية، لتصبح أحد المحاور الأساسية للحوكمة وإدارة المخاطر، إذ يتعين على الشركات إعداد قيادات بديلة، وتوثيق المعرفة الأساسية، وضمان عدم ارتباط العمليات والقرارات المهمة بأشخاص بعينهم.
وأشارت إلى أن فقدان الخبرات يختلف عن الاعتماد المفرط على الأفراد، فمغادرة قيادة ناجحة لا تعني بالضرورة تعرض الشركة للخطر، كما أن بقاء القيادات نفسها لا يضمن استمرار النتائج الإيجابية. وتكمن المشكلة عندما تتركز المعلومات والصلاحيات والعلاقات المؤثرة في يد أفراد دون وجود آليات واضحة لنقلها واستمرار العمل في غيابهم.
وأضافت أن الخبرات المتراكمة تمثل أصلًا مهمًا للمؤسسات، لما توفره من فهم للعمليات والأسواق والقدرة على التعامل مع المواقف المعقدة، لكن الاحتفاظ بهذه الخبرات داخل نطاق فردي دون توثيق أو نقل منظم يجعل الشركة أكثر عرضة للتعثر عند انتقال أصحابها إلى جهات أخرى أو تقاعدهم.
وأكدت أن الحوكمة الفعالة لا تستهدف الحد من دور القيادات المتميزة، بل تضمن تحويل خبراتها إلى معرفة مؤسسية يستفيد منها العاملون، بما يحمي استقرار الشركة ويقلل اعتمادها على أشخاص محددين.
وأوضحت خبيرة حوكمة الشركات أن التخطيط لتعاقب القيادات يجب أن يبدأ قبل حدوث أي تغيير إداري، باعتباره جزءًا من إدارة المخاطر وضمان استمرارية الأعمال، وليس إجراءً طارئًا يُتخذ بعد رحيل أحد المسؤولين.
ويتطلب ذلك تحديد الوظائف الحيوية التي قد يؤدي غياب شاغليها إلى تعطيل العمل، وإعداد كوادر مؤهلة لتولي المسؤولية، وفق معايير واضحة للكفاءة والخبرة والنزاهة. ولا يعني التخطيط للتعاقب حسم أسماء شاغلي المناصب مستقبلًا مسبقًا، بل إنشاء آلية موضوعية لاكتشاف المواهب وتأهيلها وتقييم مدى استعدادها للقيادة.
كما أكدت ضرورة توثيق إجراءات العمل والمعرفة التشغيلية، وتحديد المسؤوليات والصلاحيات بدقة، حتى لا تظل المعلومات الجوهرية أو العلاقات المؤثرة في نشاط الشركة مرتبطة بشخص واحد.
ولفتت إلى أن مجالس الإدارة تتحمل مسؤولية أساسية في ضمان استمرارية القيادة، من خلال الإشراف على خطط التعاقب، ومراجعة المخاطر الناتجة عن الاعتماد على أفراد محددين، والتأكد من وجود خطط لاستمرار الأعمال، فضلًا عن تقييم قدرة الإدارة التنفيذية على إعداد صف ثانٍ من القيادات.
وأضافت أن الحكم على نجاح المدير لا ينبغي أن يقتصر على النتائج التي يحققها خلال فترة توليه المنصب، بل يجب أن يشمل قدرته على بناء فريق مؤهل، ونقل المعرفة، وتطوير الكفاءات التي يمكنها تحمل المسؤولية لاحقًا. فالمدير الذي يحقق نتائج قوية دون إعداد بدائل قادرة على مواصلة العمل قد ينجح تشغيليًا، لكنه لا يضمن استدامة هذا النجاح.
وحذرت من الاكتفاء بإعداد خطط مكتوبة للتعاقب القيادي دون تطبيق فعلي، مؤكدة أن فاعليتها ترتبط بالتدريب المستمر، والتقييم الدوري للكفاءات، والتفويض الحقيقي للصلاحيات، واختبار قدرة القيادات البديلة على التعامل مع المواقف العملية.
وأشارت إلى إمكانية قياس كفاءة هذه الخطط من خلال مؤشرات واضحة، تشمل توافر بدائل مؤهلة للوظائف الحيوية، ومدى جاهزية القيادات المرشحة، وفاعلية نقل المعرفة، وحجم اعتماد العمليات الأساسية على أفراد بعينهم.
كما شددت على أهمية الالتزام بالشفافية والعدالة في اختيار القيادات، لا سيما داخل الشركات العائلية والمؤسسات التي تتداخل فيها الملكية مع الإدارة، بما يضمن انتقال المسؤوليات وفقًا للكفاءة ومتطلبات العمل، بعيدًا عن الاعتماد على العلاقات الشخصية وحدها.
واختتمت الدكتورة أميرة محمود بالتأكيد أن قوة الشركات لا تُقاس بالأرباح أو التوسع في الأسواق فقط، بل بقدرتها على الحفاظ على أدائها ومواجهة المتغيرات دون فقدان الاستقرار عند رحيل أحد أصحاب الخبرات.
وأوضحت أن إعداد القيادات البديلة، وتوثيق المعرفة، وتوزيع المسؤوليات، والتخطيط لتعاقب القيادات، تشكل عناصر متكاملة لحماية استمرارية الأعمال ودعم النمو المستدام، مؤكدة أن المؤسسة الأكثر قدرة على الاستمرار هي التي تحول تميز أفرادها إلى نظام عمل يضمن بقاء هذا التميز رغم تغير القيادات.











